محمد بن جرير الطبري
92
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
فيقول له ذلك ، ويرد عليه أيوب مثل ذلك . قال : وكذلك فعل بالإبل حتى ما ترك له من ماشية حتى هدم البيت على ولده ، فقال : يا أيوب أرسل الله على ولدك من هدم عليهم البيوت حتى هلكوا فيقول أيوب مثل ذلك . قال : رب هذا حين أحسنت إلي الاحسان كله ، قد كنت قبل اليوم يشغلني حب المال بالنهار ويشغلني حب الولد بالليل شفقة عليهم ، فالآن أفرغ سمعي لك وبصري وليلي ونهاري بالذكر والحمد والتقديس والتهليل فينصرف عدو الله من عنده لم يصب منه شيئا مما يريد . قال : ثم إن الله تبارك وتعالى قال : كيف رأيت أيوب ؟ قال إبليس : أيوب قد علم أنك سترد عليه ماله وولده ولكن سلطني على جسده ، فإن أصابه الضر فيه أطاعني وعصاك قال : فسلط على جسده ، فأتاه فنفخ فيه نفخة قرح من لدن قرنه إلى قدمه . قال : فأصابه البلاء بعد البلاء ، حتى حمل فوضع على مزبلة كناسة لبني إسرائيل . فلم يبق له مال ولا ولد ولا صديق ولا أحد يقربه غير زوجته ، صبرت معه بصدق ، وكانت تأتيه بطعام ، وتحمد الله معه إذا حمد ، وأيوب على ذلك لا يفتر من ذكر الله ، والتحميد والثناء على الله والصبر على ما ابتلاه الله . قال الحسن : فصرخ إبليس عدو الله صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر أيوب فاجتمعوا إليه وقالوا له : جمعتنا ، ما خبرك ؟ ما أعياك ؟ قال : أعياني هذا العبد الذي سألت ربي أن يسلطني على ماله وولده فلم أدع له مالا ولا ولدا ، فلم يزدد بذلك إلا صبرا وثناء على الله وتحميدا له ، ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة بني إسرائيل ، لا يقربه إلا امرأته ، فقد افتضحت بربي ، فاستعنت بكم ، فأعينوني عليه قال : فقالوا له : أين مكرك ؟ أين علمك الذي أهلكت به من مضى ؟ قال : بطل ذلك كله في أيوب ، فأشيروا علي قالوا : نشير عليك ، أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة ، من أين أتيته ؟ قال : من قبل امرأته ، قالوا : فشأنك بأيوب من قبل امرأته ، فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس أحد يقربه غيرها . قال : أصبتم . فانطلق حتى أتى امرأته وهي تصدق ، فتمثل لها في صورة رجل ، فقال : أين بعلك يا أمة الله ؟ قالت : هو ذاك يحك قروحه ويتردد الدواب في جسده . فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع ، فوقع في صدرها فوسوس إليها فذكرها ما كانت فيه من النعم والمال والدواب ، وذكرها جمال أيوب وشبابه ، وما هو فيه من الضر ، وأن ذلك لا ينقطع عنهم أبدا . قال الحسن : فصرخت فلما صرخت علم أن قد صرخت وجزعت ، أتاها بسخلة ، فقال : ليذبح هذا إلي أيوب ويبرأ ، قال : فجاءت تصرخ يا أيوب ، يا أيوب ، حتى متى يعذبك ربك ، ألا يرحمك ؟ أين الماشية ؟ أين المال ؟ أين الولد ؟